ابن عطاء الله السكندري
59
ترتيب السلوك ( ويليها رسالة في أدب العلم / بيان فضل خيار الناس والكشف عن مكر الوسواس للغماري )
« إن تهلك هذه العصابة لن تعبد » ، فقال أبو بكر رضي اللّه عنه : « كفاك مناشدتك لربك يا رسول اللّه ، فإنه منجز لك ما وعدك » « 1 » . فمقام الرسول صلوات اللّه تعالى « 2 » وسلامه عليه المقام الأتم ، لأنه علم مراد اللّه منه في ذلك الوقت الافتقار إلا به ، فقال « 3 » ما قال ، وكان حال أبي بكر رضي اللّه عنه الغنى باللّه ، فلذلك قال ما قال « 4 » . وقد ظهر « 5 » عليه ؛ صلوات اللّه وسلامه عليه ؛ أثر الافتقار إلى اللّه و « 6 » الغنى باللّه . فأطعم الجيش من صاع إظهارا للغنى باللّه ، ومات صلّى اللّه عليه وسلم « 7 » ودرعه مرهونة عند يهودي إظهارا للافتقار إلى اللّه . وهذا أتمّ . ومن ههنا تعلم أن مقام العبودية أتم من مقام الحرية . والعبودية على قسمين : عبودية ملك وقهر ، وعبودية تخصيص ونصر . فعبودية الملك والقهر هي العبودية العامة ، قال اللّه تعالى : إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً ( 93 ) [ مريم : الآية 93 ] . وأما عبودية التخصيص والنصر ، فلقوله تعالى « 8 » : إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ [ الحجر : الآية 42 ] ، وَاذْكُرْ عَبْدَنا « 9 » [ ص : الآية 17 ] ، وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ [ الأنفال : الآية 41 ] ، كهيعص ( 1 ) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا ( 2 ) إِذْ نادى رَبَّهُ « 10 » [ مريم : الآيات 1 - 3 ] ، وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ [ الجنّ : الآية 19 ] ، سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا [ الإسراء : الآية 1 ] . والذي يطلب من العبد « 11 » عبودية التخصيص ، وهي أشرف المقامات ، وهي مطلوب اللّه من عباده ، قال اللّه تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( 56 )
--> ( 1 ) كان ذلك في غزوة بدر ( انظر السيرة النبوية لابن هشام : 2 / 627 ، والفصول في سيرة الرسول لابن كثير : ص 36 ، ومجمع الزوائد للهيثمي : 6 / 75 ) . ( 2 ) ساقطة من ح . ( 3 ) ( الافتقار إلا به فقال ) عوضها في ح : ( الغنى باللّه فلذلك قال ) . ( 4 ) ( وكان حال أبي بكر رضي اللّه عنه الغنى باللّه فلذلك قال ما قال ) ساقطة من ح . ( 5 ) ( قد ظهر ) مطموسة في د . ( 6 ) ساقطة من ح . ( 7 ) ( صلى اللّه عليه وسلم ) ساقطة من ح . ( 8 ) ح : سبحانه . ( 9 ) وَاذْكُرْ عَبْدَنا ساقطة من ح . ( 10 ) إِذْ نادى رَبَّهُ ساقطة من ح . ( 11 ) ح : اللّه .